هروب النص الأدبي من الصحافة إلى المنتديات

عندما نشاهد هذا
الكم الهائل من النصوص الأدبية التي تحتضنها المنتديات
الثقافية نجد أن هناك دورًا كبيرًا تقوم به لاحتواء تلك النصوص
ومنحها فرصة الظهور ، ومع أن النصوص تختلف في جودتها من المدهش
إلى العادي إلا أن ظهور الكتابة يعد أمرًا إيجابيا، وربما كانت
بيئة المنتديات باعثًا حقيقيًا لممارسة الكتابة لدى الكثير من
روادها .
مما يُثير التساؤل:
هل استطاعت المنتديات
الثقافية خدمة الثقافة بشكل أوسع من الصّحافة ؟
وعلى افتراض
عدم وجود تلك المنتديات ، هل كان باستطاعة ملاحقنا الثقافية في
الصحف استيعاب كل هذه النصوص ومنحها مساحة ًللنشر؟
استطلعنا
رأي عدد من الأسماء والتي لها حضور مميز من خلال ما ينشرونه
بالمنتديات واتفق الجميع على أن المنتديات ساهمت في منح الضوء
لكتاباتهم .
بدر العتيبي ، يرى أن المنتديات أصبحت وجهة
أولى حتى لمن يحمل لقب (مثقف) ويقول :
هذا هو عصر سقوط
الصحف وخاصة الصفحات الأدبية ومشرفيها المبجلين الذين حرموا
الثقافة من الكثير من الأقلام مما جعل صفحات الثقافة في صحفنا
كأنها بيوتٌ مملوكة لبعض الأقلام دون غيرها ، وهم دائما واجهة
الثقافة والمثقفين وغيرهم مجرّد هوامش دون معنى ، فنحن الشباب
الآن مع وجود هذه المنتديات الثقافية انتصرنا على مشرفيّ
الأقسام الأدبية في الصحف بل أكثر من مجرد انتصار ، إنه هروب
من الموت تحت رتابتهم في قتل كل قلم من شأنه أن يتفوق عليهم ،
والنصوص الأدبية كـالبشر فيها الجيد والسيئ ولكن في النهاية
يحق لها أن تعيش ، فالسيء إن لم توضح له مكامن الخلل فإن الخلل
يستمر معه وهذا ماتفتقر إليه الصحف .
في النهاية نحن نعيش
في عصر المنتديات الثقافية التي أصبحت الوجهة الأولى للكثير من
الذين يحملون لقب مثقفين وهذا لا يعني تركهم لمقاعدهم في صفحات
الثقافة في الصحف للشباب الباحث عن مساحة للنشر .
غادة
السلطان تتجه للمنتديات بالفضل في تصاعد مستوى كتاباتها وتقول
:
بـ النسبة لي فـأنا أعتقد أن المنتديات الإلكترونية دافع
لي في الكتابة من خلال تجربتي القصيرة جداً ، ومن خلالها قمت
بـنشر الكثير من نصوصي الـمخبأة في أدراجي وتحت الوسادة ، لو
لم تفتح لي هذه النافذة لما تصاعد مستوى كتاباتي كما يرى
الآخرين ، الغريب أنني بدأت تجربتي من خلال المنتديات التي
تعنى بالطرافة ، والأغرب أني أعكف على كتابه روايتي ، كله
بـفضل الله ثم بفضل المنتديات وتشجيع الزملاء ذوي الأيادي
البيضاء على غادة ، لـ الأسف لست متابعه لـ الملاحق الثقافية
من خلال الصحف ، ولكن من المؤكد أن معايير النشر فيها صعبة
وهذا الأمر لانواجهه في المنتديات .
ماجد الجهنى يجد أن
المنتديات تبني جسر تواصل بين الكاتب والقارئ ويقول :
المنتديات الثقافية بصورة عامة تعتبر طريق سهل لوصول القارئ
إلى المادة الثقافية ، وتعتبر طريقًا سهلاً و آمنًا في بادئ
الأمر لتوصيل حرف الكاتب ، وهذا الأمر يعطي شيء من الخصوصية
الإيجابية التي يريدها أحيانا ً بعض الكتّاب والذي يجد أن
الطريق معبدًا أمامه و لا يعيق تواجده إلا اكتمال الفكرة. أيضا
ً تشيد جسر التواصل بين القارئ وطرح الكاتب وبشكل أسهل و أسرع
وأكثر أريحية ، حيث أن الكاتب والقارئ في المنتديات الثقافية
يمكن لهم التفاعل مع الطرح وبصورة مباشرة كما يحدث في العمل
المسرحي .
ولا تنسى أيضا ً أن كُل هذا الظهور وهذا التواصل
لا يحتاج إلى الإمكانيات الماديّة التي يحتاجها الكاتب والقارئ
للظهور في مختلف الصحف ، تخيّل معي الآن أنكَ تستطيع تأليف (
كتاب ) ونشره بعيدا ً عن تسلق جدار دار النشر .
عبدالعزيز
محمد يرى أن المنتديات بيئة مناسبة لتطوير أدوات الكاتب ويقول
:
سبق وأن نشرتُ نصاً في إحدى الصحف فلم أحظى إلا بتعقيب
المسؤول عن ما يُنشر في تلك الصفحة، ولكن عندما نشرتُ ذات النص
في أحد المنتديات حصلتُ على عدة تعقيبات يتفاوت مدى قبولها
للنص مما انعكس على تجربتي بالإيجاب ، كما أن أحد من عقبوا على
النص في المنتدى أخبرني أنه قرأ النص في الصحيفة لكن لم يتمكن
من التعقيب إلا حين نُشر النص في المنتدى.
مما لا شك فيه أن
طرح النصوص في المنتديات يجعل الكاتب في مواجهة مباشرة مع
القارئ .. فالتعقيبات والتعليقات على النصوص تكون بشكل أكثر
حرية وأكثر مباشرة بعكس حالها فيما لو طُرحت النصوص في الصحف
التي يصعب على الكاتب من خلالها معرفة رأي القارئ ومدى قبوله
للنص أو إعجابه به ، فالمنتديات مجتمع صغير عدد أفراده محدود
مقارنة بعدد قراء الصحف وكتابها، لهذا بإمكان القارئ أن يتعرف
على الكاتب بسرعة وأن يبقى اسمه في ذاكرته وبالتالي تسهل
ملاحظة تطور نصوص الكاتب وأدواته الأدبية فيكون النقد الموجه
يحمل موضوعية أكثر، بعكس حال الكاتب حين ينشر في الصحف فقد
يغيب اسمه في دهاليز النسيان إن لم يكن معروفاً ، كما أن
الكتابة باسم مستعار تتيح حرية أكبر للكاتب في بث كل أفكاره
بين ثنايا النص، وهذا ما يشكل عاملاً تشجيعياً للكاتبة الأنثى
بشكل خاص ولكل كاتب يهتم بنظرة المجتمع إزاء ما يكتب بشكل عام
، كما أن الاسم المستعار يتيح حرية أكبر للقارئ في إبداء رأيه
بكل تجرد وحيادية وبدون مجاملات ، الأمر الآخر هو أن المنتديات
تتفاوت مستوى النصوص المطروحة فيها ما بين الممتاز والعادي
والرديء أحياناً ، مما يتيح للكاتب المبتدئ أن يطرح نصوصه دون
خوف من رفض أو إقصاء ، بينما لا تنشر الملاحق الثقافية في
الصحف إلا الجيد فقط ، وهذا يعيق الكاتب المبتدئ عن النشر فيها
فيقف عند تلك المرحلة ويبقى أسير البداية في كثير من الأحيان
بعكس المنتديات التي تتيح له النشر بحرية والاستمرارية في
النشر حتى يتجاوز مرحلة الكاتب المبتدئ ، كل هذه الأمور تجعل
من المنتديات بيئة مناسبة لأن ينطلق منها الكاتب الأدبي ويطور
أدواته ومستوى نصوصه في حين كان سيتردد كثيراً إزاء طرح نصوصه
في الصحف لعدم احتوائها على تلك البيئة التي توفرها المنتديات.
إذاً برأيي أن المنتديات هي الوسيلة الأفضل لأن يبدأ الكاتب
فيها تجربته حتى يصل لمستوى يتيح له نشرها على نطاق أوسع
كصحيفة أو كتاب ولولا المنتديات لما ابتدأ كثير من الكتاب بطرح
نصوصهم والارتقاء بها.
خالد بن سالم يجد أن المنتديات ساهمت
بصقل المواهب الإبداعية ويقول :
خدمت المواقع الإلكترونية
بشكل عام والمنتديات الثقافية على وجه الخصوص شريحة كبيرة من
المبدعين والمواهب المغمورة، خصوصاً أولئك الذين لم تتح لهم
فُرص النشر عبر الوسائل الأخرى لأسباب مختلفة، المنتديات قامت
بإتاحة فرص النشر والوصول السريع والسهل للقارئ ومعرفة الآراء
والانطباعات واكتشاف مواهب لازالت في مهد الإبداع وما يشمله من
نقد ساهم في الكثير من الأحيان على صقل تلك المواهب الإبداعية
متى ماسعت لتطوير تلك الموهبة والعناية بها ،وبالتالي لا يمكن
القول أن المنتديات هي الباعث الحقيقي للكتابة بل يمكن
اعتبارها وسيلة مهمة ساهمت بدورها وبطريقة مباشرة أو غير
مباشرة في احتضان تلك الأقلام الجميلة وتهيئة الظروف المناسبة
لها كي تقدّم نفسها كما تريد مع الأخذ بعين الاعتبار اتساع
مساحة النشر وارتفاع سقف الحرية ، أما الكتابة لمجرّد التنفيس
والتي لا يهتم كتّابها بسلامة اللغة والمحتوى بقدر ما يهمهم
تفريغ حالات وقتية فيمكن القول بأن المنتديات كانت باعثاً
حقيقياً لمثل هذه الحالة.
أما بالنسبة للملاحق الثقافية في
الصحف وغيرها فحتماً لم تستطع احتواء إلا القلة القليلة من
النصوص والتي تخضع في الغالب لأهواء القائمين على تلك الملاحق
حيث يرتكز اعتمادها بشكل كبير على الأسماء المشهورة لاستقطاب
عدد كبير من القرّاء ومن جهة أخرى لا يمكن بأي حال إغفال دور
العلاقات الشخصية في هذا الخصوص من خلال محاولة فرض أسماء
وتهميش أخرى وأسباب عديدة وقفت عائقاً في وجه الكثير من
المبدعين ومنعتهم من نشر نصوصهم في تلك الملاحق، لذا كانت
المنتديات ملاذاً مناسباً وفرصة مواتية للأقلام الحقيقية
لإثبات موهبتها رغم بعض العوائق التي تعترضها ومن أهمها كيفية
إثبات الملكية الفكرية في حال تعرض أحدهم للسرقة ، يبقى أن
أقول أن هذه الطفرة وهذا الزخم الهائل من النصوص الإبداعية عبر
المنتديات واتجاه الأقلام المشهورة والمواهب الشابة ونشر
نتاجها الأدبي في صفحاتها الإلكترونية دليل قاطع على ما تحتله
هذه الوسيلة من مكانة رائدة بين وسائل النشر حيث أصبحت منبراً
مهماً جداً لا يمكن تجاهله أو التقليل من دوره الفعّال في
الوقت الحاضر.
إيمان تبرر الاتجاه للكتابة بالمنتديات إلى
قيود النشر في الصحافة وتقول:
أسهم وجود المنتديات ومساحة
الحرية التي تعطيها للكاتبـ / ـه في ظهور الكثير من الأقلام
الأدبية , والتي وجدت فيها الطريقة الأسرع والأسهل لنشر
أفكارها وأرائها ، فالنشر في الصحافة يتطلب وقتًا أطول وله
قيود خاصة بالنسبة لنوعية النصوص وجودتها مما جعل الكثير
ينصرفون عنها ويبحثون عن المكان الذي يقبل أفكارهم كما هي مع
إمكانية تطور الأسلوب ورقيه عن طريق التفاعل مع الغير ، هذا
فضلاً عن عدد المتصفحين للمنتديات والذي يفوق وبأعداد كبيرة
متصفحي الصحف والمجلات مما يعطي الكاتب مجالاً أوسع للانتشار.
شوق فهد ترى أن الاحتكاك بالأقلام المتمكنة سبب لتطوير الأدوات
الكتابية وتقول:
لا أرى أن المنتديات باعث أساسي للكتابة ،
بل قد تكون هي الحافز عند البعض لإظهار مواهبهم الكامنة و صقل
أقلامهم بشكل أفضل فضلاً عن أنها تتيح مجال أكبر من الصحف ،
التي بدورها لا تنشر سوى النصوص المنتفخة لكتاب مجيدين ، بينما
المنتديات تعطي مجالاً مفتوحاً لتطوير الأدوات الكتابية و
الاحتكاك بالأقلام المتمكّنة .
خالد ابو الشامات أثار
مجموعة نقاط جميلة جدا ، يقول :
إن هذه المواقع أتاحت
الفرصة للعديد من الكتاب الناشئين أو حتى الكبار الذين لم
يُكتشفوا بعدللظهور والتألق ولكن لم تكن المنتديات في أصلها
الباعث الحقيقي للكتابة ولكنها وسيلة استطاعت أن تكون مجتمعات
متوافقة في اهتماماتها في القراءة الجماعية أو الكتابة فيجد
الكاتب صدى لكتابته ، أيضا وجد الكتاب الخجولين فيها الخطوة
الأولى للظهور حتى تمرسوا ، في حين أن هذه الفرصة لا تتاح
أبداً في الصحف التي قد تحتاج معها إلى واسطة أو معرفة ليتم
نشر النص لايتجاوز عشرين سطرا.فالكثير الآن يعرف البردعي و فتى
الأدغال وحمران النواظر أو تمر حنا على أنها أسماء وهمية
اشتهرت .
الجزء الثاني من السؤال أجيب عليه بأنه : لن تتمكن
الصحف من نشر هذا الكم الرهيب
من النتاج الأدبي أو حتى
الفكري والسبب أن هذه الصحف تبحث عن العائد المادي بالدرجة
الأولى ويهمها هذا الأمر ، على عكس المنتديات ، والتي لايفرق
في بعضها عن المميز وغيره ولا يهمها شهرة الكاتب .
بل
بالعكس المنتديات ترحب حتى بالسيئين والعاديين ، وجرت العادة
أن يخرج من هذه المنتديات كتاب مرموقون لاحتكاكهم بطبقة الكتاب
المتمكنين. أيضا تعطي فرصة المران والممارسة على الكتابة وتلقي
التشجيع والدعم والكلمة البسيطة وهذا ما لا تمنحه الصحف لكاتب
مبتدئ ، أو قد يتعرض في الصحف لكاتب متحذلق ينصحه بالقراءة
أكثر ، فإن كان يحتاج للنقد فإنه يحتاج للتشجيع والدعم وهذا
يتوفر في المنتديات .