يتساءل الكثيرون عن
جديّة الحركات الأدبية وجدواها في عالم يتسارع يوماً بعد
يوم وتحل فيه الآلة ببذخها ، بتوترها ، وصخبها محل أشياء
أكثر حميمية وأكثر بطئاً.
لكننا هنا لا نقف أمام الآلة - والآلة نفسها تتيح لنا أن
نتواصل بنصوصنا وأن ننقل أدق ما يجري في القلب والعقل
للمتلقي الذي لا يكاد يلتقط أنفاسه في زمن محموم.
نحن هنا لنبطئ دقّات قلوبنا ، حتى لا نموت فزعين ، وحتى لا
ننسى أنّ الإنسان ،
قبل أي شيء ، لن يفتقد من حياته إلا اللحظات الصغيرة المفعمة
بالفرح وبالمفاجأة.
لن يزعم أحد في يوم من الأيام أنّه افتقد الذهاب إلى العمل ،
لكنّ الكثيرين سيفتقدون ، وهم في السماء ، رائحة الأرض بعد
هطول المطر ، وهمس الشجر والريح ، ولون الغروب والعشب ،
والحب وتوتّر العقل بالعاطفة ، وتوتّر الجسد بالعناق و
بالقبل. هذا ما نحمله معنا ، وهذا هو زادنا الحقيقي ، وهذا
هو الطفل المندهش أبداً فينا ، والذي لن يقتله أي تطوّر
يدعّ الجوانب الإنسانية ويمحوها منّا.
نجتمع في الحارة ، نشعل نارًا و قناديلاً ،
نقرأ قصيدة ليأنس الليل العجوز ، ونحكي حكاية ينصت لها
الصغار في بيت طيني صغير ، ندير المذياع ، فنسرق الوجود
بأذنين و وتر! و نصنع ألعابنا بالطبشور والقش ، لتهنأ طفلة
في فستانها الوردي ، نفتح التلفاز الأثري العتيق ، لنشاهد
قناة واحدة فقط ، و نمتلئ دهشةً وخوفاً من المستقبل
المجهول ، ثمّ نقف مع الغرباء ، ما بين مصدّقين و مكذّبين
، وهم يحكون عمّا وراء البحار من العجائب والغرائب.
أقرأ تجارب الأصدقاء في العدد الأول ، و أرى تجارب الأصدقاء
القادمين ، وفرحتي لا توصف ، وخوفي يتضاءل من أن تأكل
أعيننا الشمس ، والطير. لن نموت ومازالت الأبجديّة البيضاء
حيةً فينا و تنبض.
رئيس التحرير:
إيثار زاهر